حبيب الله الهاشمي الخوئي
40
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الموت قريب ، والدّنيا دار مقرّ . وليس الناس للدّنيا خلقوا وبالجملة أنّه عليه السّلام وعظه وذكَّره بمرور الدّنيا وتصرّمها بأهلها لعلّ العظة والتذكرة تنفعانه ، ولكن معاوية زيّن له الحياة الدّنيا وصار قلبه أشدّ قسوة من الحجارة فأنّي له أن يذّكَّر ، وينفعه نصحه عليه السّلام ، قال عزّ من قائل في سورة الأعلى : * ( فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى . سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى . وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى . ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ) * . قوله عليه السّلام : « وخير ما بقي من الدّنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى » هذه عظة أخرى له . وكلمة من الجارة صلة بقي لا أنّها بيانيّة تبيّن ما ، وما الثانية خبر خير ، والعباد فاعل أصاب ، والضمير العائد إلى ما الثانية محذوف أي ما أصابه العباد لأنّه يجوز حذف العائد المنصوب إذا كان متصلا منصوبا وناصبه فعل أو وصف غير صلة الألف واللَّام نحو يعلم ما يسرّون وما يعلنون أي يسرّونه ويعلنونه . ولم يبيّن ما الثانية ليذهب نفس السامع إلى كلّ مذهب خير ورأسه التقوى كما أتى بها في نسخة الشارح المعتزلي . وما الثالثة يمكن أن تفسّر إمّا بالزّمان أي في الزّمان الَّذي مضى من عمرهم ، قال تعالى : * ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَه ُ بِيَمِينِه ِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه ْ ) * - إلى قوله : * ( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخالِيَةِ ) * ( الحاقة 20 - 25 ) أو بالأمور والأفعال ونحوهما أي في بين الأمور الَّتى مضت منهم وصدرت عنهم فتذكير الفعل على هذا الوجه باعتبار ظاهرها . قوله عليه السّلام : « ومن نسي الدّنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بونا بعيدا » كانت نسخة الشارح المعتزلي : « من يقس الدّنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا » ومعناها واضح والغرض انّ العاقل لا يبيع الدار الباقية بالفانية ولا يخرب الأولى لأجل الثانية قال عزّ من قائل : * ( إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا ) * ( الدّهر - 28 ) . وأمّا النسخة الأخرى فمعناه أنّ من زهد في الدّنيا مثل من زهد في الآخرة يجد بين الدّنيا والآخرة بونا بعيدا ، أي يجد ذلك الَّذي ترك الدّنيا بينه وبين